محمد الريشهري
2574
ميزان الحكمة
لا تتحقق من رأس . فإذا تمت عللها الموجبة لها وكملت ما تتوقف عليه من الشرائط وارتفاع الموانع ولم يبق لها إلا أن تتحقق خرجت من التردد والإبهام ، وتعين لها أحد الطرفين ، وهو التحقق أو عدم التحقق ، إن فرض انعدام شئ مما يتوقف عليه وجودها ، ولا يفارق تعين التحقق نفس التحقق . والاعتباران جاريان في أفعالنا الخارجية ، فما لم نشرف على إيقاع فعل من الأفعال كان مترددا بين أن يقع أو لا يقع ، فإذا اجتمعت الأسباب والأوضاع المقتضية وأتممناها بالإرادة والإجماع بحيث لم يبق له إلا الوقوع والصدور عينا له أحد الجانبين ، فتعين له الوقوع . وكذا يجري نظير الاعتبارين في أعمالنا الوضعية الاعتبارية ، كما إذا تنازع اثنان في عين يدعيه كل منهما لنفسه كان أمر مملوكيته مرددا بين أن يكون لهذا أو لذاك ، فإذا رجعا إلى حكم يحكم بينهما فحكم لأحدهما دون الآخر كان فيه فصل الأمر عن الإبهام والتردد وتعيين أحد الجانبين بقطع رابطته مع الآخر . ثم توسع فيه ثانيا ، فجعل الفصل والتعيين بحسب القول كالفصل والتعيين بحسب الفعل ، فقول الحكم : إن المال لأحد المتنازعين فصل للخصومة وتعيين لأحد الجانبين بعد التردد بينهما ، وقول المخبر : إن كذا كذا فصل وتعيين ، وهذا المعنى هو الذي نسميه القضاء . ولما كانت الحوادث في وجودها وتحققها مستندة إليه سبحانه وهي فعله جرى فيها الاعتباران بعينهما ، فهي ما لم يرد الله تحققها ولم يتم لها العلل والشرائط الموجبة لوجودها باقية على حال التردد بين الوقوع واللاوقوع ، فإذا شاء الله وقوعها وأراد تحققها فتم لها عللها وعامة شرائطها ولم يبق لها ، إلا أن توجد كان ذلك تعيينا منه تعالى وفصلا لها من الجانب الآخر وقطعا للإبهام ، ويسمى قضاء من الله . ونظير الاعتبارين جار في مرحلة التشريع وحكمه القاطع بأمر وفصله القول فيه قضاء منه . وعلى ذلك جرى كلامه تعالى فيما أشار فيه إلى هذه الحقيقة ، قال تعالى : * ( وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) * ( 1 ) ، وقال : * ( فقضاهن سبع سماوات في يومين ) * ( 2 ) ، وقال : * ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) * ( 3 ) ، وقال : * ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ) * ( 4 ) إلى غير ذلك من الآيات المتعرضة للقضاء التكويني . ومن الآيات المتعرضة للقضاء التشريعي قوله : * ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) * ( 5 ) وقوله : * ( إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) * ( 6 ) ، وقوله : * ( وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ) * ( 7 ) ، وما في الآية
--> ( 1 ) البقرة : 117 . ( 2 ) فصلت : 12 . ( 3 ) يوسف : 41 . ( 4 ) الإسراء : 4 ، 23 . ( 5 ) الإسراء : 4 ، 23 . ( 6 ) يونس : 93 . ( 7 ) الزمر : 75 .